فخر الدين الرازي

168

تفسير الرازي

يظهر فساد قول من يقول : إن ما يوجد في القلب لا يؤاخذ به إذا لم يقترن به عمل فإنه تعالى نهى عن كل هذه الأقسام بهذه الآية . ثم قال تعالى : * ( إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ) * ومعنى الاقتراف قد تقدم ذكره . وظاهر النص يدل على أنه لا بد وأن يعاقب المذنب ، إلا أن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب لم يعاقب ، وأصحابنا زادوا شرطاً ثانياً ، وهو أنه تعالى قد يعفو عن المذنب فيترك عقابه كما قال الله تعالى : * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * ( النساء : 48 ) . * ( وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما بين أنه يحل أكل ما ذبح على اسم الله ، ذكر بعده تحريم ما لم يذكر عليه اسم الله ، ويدخل فيه الميتة ، ويدخل فيه ما ذبح على ذكر الأصنام ، والمقصود منه إبطال ما ذكره المشركون . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : نقل عن عطاء أنه قال : كل ما لم يذكر عليه اسم الله من طعام أو شراب ، فهو حرام ، تمسكاً بعموم هذه الآية . وأما سائر الفقهاء فإنهم أجمعوا على تخصيص هذا العموم بالذبح ، ثم اختلفوا فقال مالك : كل ذبح لم يذكر عليه اسم الله فهو حرام ، سواء ترك ذلك الذكر عمداً أو نسياناً . وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين . وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : إن ترك الذكر عمداً حرم ، وإن ترك نسياناً حل . وقال الشافعي رحمه الله تعالى : يحل متروك التسمية سواء ترك عمداً أو خطأ إذا كان الذابح أهلاً للذبح ، وقد ذكرنا هذه المسألة على الاستقصاء في تفسير قوله : * ( إلا ما ذكيتم ) * ( المائدة : 3 ) فلا فائدة في الإعادة ، قال الشافعي رحمه الله تعالى : هذا النهي مخصوص بما إذا ذبح على اسم النصب ، ويدل عليه وجوه : أحدها : قوله تعالى : * ( وإنه لفسق ) * وأجمع المسلمون على أنه لا يفسق أكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية . وثانيها : قوله تعالى : * ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ) * ( الأنعام : 121 ) وهذه المناظرة إنما كانت في مسألة الميتة ، روي أن ناساً من المشركين قالوا للمسلمين : ما يقتله الصقر والكلب تأكلونه ، وما يقتله الله فلا تأكلونه . وعن ابن عباس أنهم قالوا :